
قبل 178 عامًا تقريبًا، حين أطلق كارل ماركس وفريدريش إنجلز نداءهما إلى “عمّال العالم”/”العمال في جميع البلدان” للاتحاد*، كانت الأمور واضحةً، بمعنى: لا يمكن ممارسة الكثير من التأويل والتفسير والاجتهاد بخصوص من هم هؤلاء العمّال أو ما الذي تعنيه كلمة عمل/عمّال ومن هو العامل، على الأقل في زمن إصدار البيان. في هذا النداء تمثلّت الصلابة، حيث الأمور حاسمة وحازمة ولا مكان للضبابية أو المصطلحات الفضفاضة والمُخاطَب واضح الهُوية والجمهور المُستَهدَف معروف ومُعرّف.
أمّا نداءات مثل: “أيّها الأحرار، يا أحرار العالم…” فتبدو فضفاضة، غير ملموسة Intangible ولا يمكن تحديدها، ودلالتها ليست واضحةً تمامًا. إنّها كلمة غير مُخصّصة، عامة/سائبة Generic، ادّعاء بإمكان أي شخص أو طرف أنْ يدّعيه علنًا وظاهرًا ويخفي خلفه ما يشتهيه سرًا ويبتغيه باطنًا: هو من الأحرار أو يُقاتِل في سبيل الحرية، دون أن يشرح ما هي هذه الحرية؟ حرية ماذا على وجه التحديد؟ وهل الحريّة وسيلة أم غاية لذاتها؟ ومن هم أحرار العالم؟ وما الذي يجمع بينهم فعلًا، بعيدًا عن الكلام الإنشائي.
لقد مرّ على فيلم البشرية الطويل، الكثير من الشخصيات التي زعمت أنّها من زُمرة الأحرار وهي إذْ تُقاتِل وتَقتُل، ففي سبيل الحرية. ولا يَمرّ يوم، دون أن يطلّ أحدهم عبر الشاشات -ومنها شاشة جزيرة إبستين الخاصة بالإعلام: أي الجزيرة- أو يكتب على إحدى المنصّات، مُوجِهًا أحرّ التحيّات إلى أحرار العالم ومقاتلي الحرية. وبالمناسبة، ولغايات إنعاش الذاكرة، الولايات المتّحدة موّلت وسلّحت “مقاتلي الحرية” في أميركا اللاتينية وأعادت تدويرهم بـTwist “جهادي” في أفغانستان وأماكن أخرى.
الحرية في هذه الخطابات المثقلة بالشعارات -والشاعريات- والمتخمة بالصوتيات التي تلعب على حلاوة البيان وطلاوة اللسان لا نباهة العقل، هي مَشاع، تُريد كل طائفة من الناس أن تُخَصْخِصَهُ باسمها، حيث أعضاء هذه الطائفة/الجماعة/الأمّة أحرار والآخرون عبيد.
هتلر كان حُرًا، النازيون كانوا أحرارًا في محارقهم، وكانوا يدافعون عن أمّة من الأحرار. عيدي أمين، فرانكو وغيرهم كانوا يقودون شعبًا من الأحرار ولهم كامل الحرية في حكم هذا الشعب والتسلّط عليه. كل ميليشيا لا ترى نفسها ميليشيا وتبرّر قتالها وقتلها وجرائمها من أجل الحرية والأحرار.
الداعشي/القاعدي يرى في “الدولة” التي يريد إقامتها -أو استعادتها- منتهى الحرية، والصهيوني يرى في إقامته على “أرض الميعاد” خالص الحرية ويعتبر “الشعب المختار” جماعةً من الأحرار. وآخرون يرون الحرية في انتظار مُخلِّص ومُنتَقِم Avenger خاص بهم، وآخرون يكرهون الآخرين ويرون الحرية في قتلهم أو قتل كل مُختَلِف أو الآخر الذي هو جحيمهم ويستحقّ جحيمًا دُنيويًا قبل “الجحيم الأُخْروي”.
وبإمكانِك عزيزي/تي القارئ/ة اختيار أي اسم يتبادر إلى ذهنك ووضعه مكان المذكورين أعلاه، وسيكون بإمكانهم بكل ثقة وإيمان صادق أن يقولوا عن أنفسهم: نحنُ أحرار.
منعًا لإساءة فهمٍ محتملة الحدوث بنسبة عالية، أنّا أُحبّ الحرية وأقدّرها وأقدّسها وأسعى لها في مُجمَل مناحي حياتي، لكنّي أحبّ أكثر تحديدها، ليس بمعنى وضع حدودٍ لها، إنّما تحديدها في سياقٍ وتخصيصها بشيء محدّد. الحريات الفردية مثلًا، حرية التعبير، حرية الاختيار، الحرية في العمل، في المال، في أسلوب الحياة، في الفنّ.. والقائمة تطول. لكن هذه الحرية السائلة -وهذا ليس هجومًا عليها بل توصيفٌ لها؛ كونها تفتقر إلى الصلابة والتماسك والوضوح- فلستُ مولّعًا بها.
وهي -أي الحرية- ليست لوحدها ضحيةً للعمليات الممنهجة لهتك عِرض اللغة وإخصاء المصطلحات/المفردات وإفراغ المثل والقيم -إذا ما اعتبرنا الحرية قيمةً ومثالًا لا مجرّد مصطلح ومفردة- من حمولتها المعنوية والدلالية، فقد تعرّضت وتتعرّض كلمات مثل ثورة، خذلان، نضال، مظلومية، ….. لمثل هذه العمليات. وإن كانت العبارة التي لم تصدر عن وزير الدعاية في ألمانيا النازية بول جوزيف جوبلز ونُسبت له** تقول: “كلما سمعت كلمة ثقافة، تحسّست مسدّسي”، فأنا أقول:
كلّما سمعت كلمة “حرية” خارج سياقٍ واضح ودون تحديد، أي حرية مُفرَغة الحمولة ومنزوعة الموضوع ومصابة بداء السيولة، تحسّست مسدّسي، لكنّي لا أملك واحدًا، فسأتحسّس قلمًا أو “كيبورد” لابتوب أو شاشة هاتف، لأكتب شيئًا أُعلن فيه بوضوح عن حساسيتي تجاه استغلال وابتذال هذه الكلمة.
هوامش:
*في ترجمة المفكّر التونسي الراحل العفيف الأخضر، جاءت العبارة التي اختُتِم بها البيان الشيوعي على النحو التالي:
“أيّها العمال في جميع البلدان، اتّحدوا”.
وفي ترجمة عصام أمين الصادرة عن دار الفارابي ومرفقة بدراسة لعالم الاجتماع الألماني هرمان دونكر:
“أيّها البروليتاريون، في جميع البلدان، اتّحدوا”.
وفي ترجمات أخرى متداولة:
“يا عمّال العالم اتحدوا”.
** بخلاف الشائع، هذه العبارة ليست لجوبلز. هي للشاعر والمسرحي الألماني النازي هانس/هانز يوست، وجاءت على لسان أحد أبطال إحدى مسرحياته الصادرة عام 1933 وعنوانها “Schlageter”.