
منذ اللحظات الأولى لانطلاقة “بادي/بَدي”، يبدو من اليسير معرفة أنّ الشخصية الرئيسة في هذا الفيلم، أيْ اليونيكورن/الحصان وحيد القرن البرتقالي، هي نسخة ساخرة وتهكّمية من الديناصور الأرجواني والأخضر الشهير في تسعينيّات القرن الماضي “بارني”. أوجه التشابه تكاد تكون متطابقة: طريقة استحضار الاثنين وخطابهما المُغرِق في المحبّة والتفاؤل والمفرِط في النُصح اللزج و”التنمية البشرية” الموجّهة للصغار، وحتّى صوت الشخصيتين، لا يبعثُ على الراحة. الاثنان متطابقان فيما عدا فصيلة أو نوع كل مخلوق و لونهما واسمهما، حتى الاسم يبدأ بنفس الحرف.
إبستين للصغار
لذلك، سيتم تجاوز هذا التشابه، باعتباره ليس سرًا أو اكتشافًا أو جزئية قابعة في جبل الجليد الغائر. ولجبل الفيلم الذي أخرجه المخرج والسيناريست الأميركي -المشهور بصناعة أفلام الرعب كاسبر كيلي- جزءٌ ضخمٌ غائرٌ في الأعماق، ولا أعتقد أنّ هذا المقال السريع كافٍ لاستكشافه. عوضًا عن هذا التشابه، سيتم الانتقال إلى تشابه مع شخصية واقعية حقيقية: الملياردير ورجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين. حتى هذا التشابه من السهل التقاطه، خاصةً وهذا الفيلم يُعرَض بعد وقتٍ غير طويل من الكشف عن فضائحه الطويلة -وفضائح زبائنه- التي ربما لم يُكشف منها إلّا ما هو سطحي، والجزء الغائر من قضية إبستين، غالبًا سيبقى غائرًا.
إبستين كانت له جزيرته الخاصة، وبادي له مكانه الخاص، وعالمٌ كامل له وحده حيث يُدير أعماله الشريرة. إبستين قدّم نفسه كـ”مُحسِن ومُحبّ للإنسانية” (Philanthropist)، من خلال مؤسّساته “الخيرية” وتبرّعاته السخيّة، حاله كحال كثيرٍ من أيقونات “الرأسمالية الملساء الناعمة” و”الشيوعيين الليبراليين” كما يسمّيهم سلاڤوي جيجيك، من أمثال”المحسن الأكبر في تاريخ البشري” -الوصف لجيجيك أيضًا- بيل غيتس. وكذلك بادي، يقدّم لضحاياه خطابًا إنسانيًا في الظاهر، وفي الباطن هناك وحش يشبه “اللفياثان”، ذلك الوحش الأسطوري العملاق الذي يشبه التنين وأتى ذكره في “العهد القديم”. وكلّما انفضح هذا الوحش الكامن في أعماق بادي المتظاهر بحبّ الإنسانية، كلّما احتاج بادي إلى الخطاب الإنساني لستر هذا الوحش وإعادة اللفياثان إلى التخفّي بهيئة اليونيكورن بما يرمز إليه من نقاء وطهارة.
هُنا، حين أقول “إبستين” لا أقصد على وجه التحديد، جيفري إبستين، وإن كان واحدًا منهم ومن أبرزهم. إني أقصد كل “الإبستينات”، في الغرب وفي الشرق حيث هناك نسخٌ محلّية من الملياردير الأميركي، يحاول إنكارها وحصرها بالغرب “المرضى” بهذا الأخير، حيث الشرق معصوم من “الأبسنة/الأبستنة وهي ظاهرة غربية وغريبة عليه، لا عابرة للقارات ومتعدّدة الجنسيات.. كالشركات.
إنّ تأويل شرّ بادي، يتجاوز إبستين. يمكن بكل سهولة القول إنّ الفيلم عن الاعتداء على الأطفال وعن البيدوفيليا، وكيف يتم استدراج الأطفال بالكلام الإنشائي الجميل والمبادرات الوديّة والسلوكيات التي تظهر لطفًا وتبطن خبثًا. كذلك، يمكن قراءة بادي وعالمه، كبرنامج يُعرَض على الويب المظلم (Dark Web)، حيث يُدفَع المال لمشاهدة فظائع وجرائم مثل الاعتداء على الأطفال. شيء يشبه “لعبة الحبّار” لكنّها خاصة بالصغار، وتُعرَض عبر شاشات تلفزيون خاصة، كما يتم الدخول إلى الويب المظلم بطرائق ومتصفحات خاصة. أو ربما ببساطة بادي، مجرّد رمز لزُمرة/طائفة (Cult) تعيش على موت الأطفال.. كل شيء في جزيرة بادي جائز.. وجائر!
هل بادي هو ترامب؟
لِمَ لا يكون بادي هو الرئيس الأميركي الحالي: دونالد ترامب شخصيًا؟ لِمَ لا؟! اللون البرتقالي، والشعر الأشقر الذي ليس من الصعب التقاط الشبه بينه وبين شعر ترامب! والهيئة الضخمة -مع منطقة البطن المضحكة -والمنديل ذو اللون الأحمر على رقبته (أليس إحالةً إلى قبعة MAKE AMERICA GREAT AGAIN؟) واليونيكورن العجوز الذي يظهر في أواخر الفيلم، هل هو بادين؟ الرئيس الأميركي السابق/اليونيكورن السابق لبادي! هل كل أوجه التشابه هذه غير مقصودة حقًا؟!

الشر القادم من بوابة الخير
الشرّ الذي يُمثّله بادي يأتي من بوابة الخير، والتوحّش يسعى إلى التمكّن والتمكين، من بوابة خطاب الرقّة واللين. إنّها “شعرية الشيطان” -بوصفه رمزًا للشر لا كشخصية مُسلّم بها في سياقٍ ديني-، أي خطابُه المُنمَّق بالشعارات الجميلة والغايات النبيلة؛ ففي كل القصص التي يبَرُز فيها الشيطان خصمًا وغريمًا (Antagonist) للإله والإنسان، لا يخبر الأخير بأنّه سيء وشرير، بل يقدّم نفسه كمُحبٍ له ومهتم بمصلحته. لكن حين يصبح التمكين أمرًا واقعًا، يَقَع القناع، ويُطلِق الشيطان لنفسه العنان. وهذا ما فعله بادي، في كل مرّة يتمكَّن فيها، فيَقَع قناعه ويبرز الوحش الكامن فيه، فيُسرِف في القتل.
التلفزيون بوابة إلى الشر
ما هي هذه البوابة الذي يأتي منها الشر؟ إنّها التلفزيون! وإنْ تَراجَع اليوم دور التلفزيون التقليدي/المباشر والمُوجَّه في التلاعب بالعقول والإقناع المُظلِم. فإنّ عائلة الشاشات الحديثة (الهاتف، اللابتوب، التابلت…) تقوم بهذه الوظيفة وتلعب دور الوسيط/الوسيلة بالاشتراك مع “وسائل التواصل الاجتماعي” التي تتجاوز دورها كوسيلة لتصبح هي الرسالة نفسها.
في آخر الفيلم حين تكتشف الطفلة فريدي -الابنة المفقودة للبطلة جريس- الشاشات التي تِشبِك بين “جزيرة بادي” والعالم، نرى أطفالًا من مختلف البلدان والجنسيات يجلسون أمام التلفزيون، يُنوّمهم بادي مغناطيسيًا بكلامه الجميل ولطافته التي لا تُقاوَم، ليسحبهم إلى جزيرة الجحيم الخاصة به عبر “وسيلة ناعمة” تخدم غاية باردة وقاسية، ترفيهٌ يقود إلى الجحيم، واختطاف الوعي يسبق اختطاف الجسد، من خلال منصّات اغتصابٍ سَلِس للعقل، مزروعة في كل البيوت. ومن هذه الشاشات في جزيرة الديستوبيا الواقعية (عَالَمُنا): شاشة جزيرة إبستين الخاصة بالإعلام، صانعة الوحوش بلمسة إرهابية ومُطبِّعة التوحّش بقفازات ناعمة، أي قناة الجزيرة.

قلب الظُّلمة الملوَّن.. أو بادي يُحبّ “الووك” أيضًا!
إلى جانب ألوان عالم بادي الزاهية، هناك تنوّعٌ في “اللون العرقي”، يبدو مقحمًا أكثر من كونه بريئًا. إقحامٌ آخذٌ بالتحوّل إلى شرطٍ لإنتاج أي عملٍ سينمائي ومن لا يَلتزِم به، يُكفّر على الطريق الصوابية السياسية و”الووكية”؛ أي يُكنسَل من طائفة الـCancel Culture. هذا التنوّع يُحبّه بادي، وسياسةٌ يعتمدها في اختياراته لضحاياه من الأطفال. إنّه جزء من “خطاب الإحسان الظاهر” الذي يتحايل عبره الوحش على الباطن/الباطل. بادي يُحبُّ الجميع.. أو يُحبُّ قتلهم بشكلٍ صائب سياسيًا، ولا يُلغي أي عرق من قائمة المرشّحين لإلغاء حياتهم على يديه.

بادي ابن “المجتمع المفتوح” الضال
هل يمكن أن يكون هذا الشر/التوحش قد نما بسبب نقيضه: أي التسامح؟ بفعل القيم الليبرالية، لا لأنّها سيئة، العكس تمامًا؛ لأنها مُفرِطة في حسناتها وإنسانيتها. التسامح مثلًا، بوصفه قيمة من قيم الليبرالية. حين يكون مطلقًا فإنّه لا بدّ أن يؤدي إلى اختفاء التسامح نفسه، كما يقول كارل بوبر في كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه” في سياق الحديث عن مفارقة التسامح (The paradox of tolerance). ويضيف بوبر: “إنْ لم نكُن مستعدين للدفاع عن مجتمع متسامح ضد المتعصّبين، فإنّ المتسامحين أنفسهم سيتعرّضون في النهاية إلى الهلاك”.
لقد تسامح الكثيرون مع بادي، حتى قادهم تسامحهم غير المشروط إلى الهلاك، “الممرّضة نانسي” مثلًا. إنّ هذا يدفعنا للتساؤل مع الناقد والمنظّر البريطاني تيري إيچلتون في كتابه “عن الشر”: “أليست الليبرالية مذهبًا ضعيفًا؟ كيف يمكن لعقيدة أنْ تغفل في نفورٍ مُتحضّرٍ عمّا هو شيطاني حقًا في الإنسانية، إذا كانت تنشد فعلًا القضاء عليه؟” وبالإمكان تأويل “مدينة الألماس” في الفيلم والتي يظنّها الأطفال ملاذًا لهم ليكتشفوا أنّها مجرّد وهم ومصطنع، على أنّها “يوتوبيا ليبرالية” أو هي رمزٌ لغياب القوانين الفعّالة والعقاب الجاد لجرائم إبستين أو نتنياهو في العالم الواقعي.
يمزج العمل بين الرعب والكوميديا السوداء، وهو بذلك يعكس الواقع بشكلٍ لم يكن يحلم به أنصار “الواقعية الاشتراكية”. لكنّها هُنا “واقعية ترامبية”، حيث رُعب الحرب مقترنٌ بكوميديا الزعيم البرتقالي “بادي البيت الأبيض” -أو كما أحبّ أن أسميه حزلقوم البيت الأبيض- في “فيلم أميركي طويل”. وأمرٌ جدّي مثل امتلاك ترامب لقرار الحرب والموت يتزامن في خليطٍ سُريالي مع رقصاته وتغريداته وعروضه التهريجية في هذا السيرك الكوني.
بادي.. جاء في وقته
بالرغم من أن أفلام كوميديا الرعب أو الرعب الكوميدي وأفلام الـSlacher أو التقطيع سابقة على “بادي”، ويمكن اقتفاء تأثيرات/ استلهامات محتملة له في فيلم وودي آلِن ورد القاهرة القرمزية (1985) -مع أنه فيلم رومانسي كوميدي!- وفيلم آخر بطل أكشن (1993) من بطولة أرنولد شوارزنيجر، وبالطبع فيلم المخرج الكندي ديفيد كروننبرج فيديودروم (1983)، إلّا أنّ هذا لم يُقلّل من جِدَّتِه وريادته، وذلك عائدٌ إلى راهنيته؛ أي صدوره الآن تحديدًا، في زمن ترامب وإبستين وآخرين، وفي عصرٍ تُرفَع فيه شعارات ظاهرها الخير والمحبّة وباطنها الشر والعذاب. وأنا ومع وصولي لآخر سطر، بِتُّ مقتنعًا أنّ بادي هو ترامب، لا مجرّد تأويل أو تهويل.

