
“قديمًا كانوا يعملون على ستر الفضيحة، أمّا اليوم، فالعمل يستهدف حجب كون الأمر ليس فضيحة”.
جان بودريار – المصطنع والاصطناع
ما الذي يمكن إضافته إلى رصيد الأحاديث عن ملفّات جيفري إبستين وجزيرته؟ ألم تكن سلمى مصفي محقّة حين قالت: “كل الأحاديث ما بتفيد”؟ إنّ الأمر يبدو كإضافة ألف دولار أو حتّى مليون إلى رصيد بليونير كإيلُن مَسك! لقد قيل كل شيء تقريبًا، وما زال يُقال أو من الممكن أنّه لم يُقَل شيء حتى الآن؛ فربما كل ما قيل كان مبنيًا على المرئي، أي ما عُرِض عبر الميديا بمختلف أشكالها، سواء كان رسميًا -ولن أقول حقيقيًا- ونشرته وزارة العدل الأميركية -يا للمفارقة بالاسم وبناشر “الفضيحة”- أو زائفًا ومفبركًا كما نُشِر عبر حسابات حقيقية ومزيفة لأنصار نظريات المؤامرة أو أنصار دين/أديان ضد دين آخر من نفس العائلة ولنا في تالي المقال حديثٌ سريع عن هؤلاء.
لكن ماذا عن “اللامرئي من الحدث”، غير المفضوح حقًا والمُفصَح عنه فعلًا؟ الذي لا نعرف عنه شيئًا وغالبًا لن نعرف، فمن سيُعلمنا بحقيقته غير “الإعلام” ووسائله التي لا يبدو أنّها معنيّة بترجمة اسمها إلى واقع عبر نقل صورة موضوعية عن هذا الأخير إلى الناس، مثلًا لا حصرًا: جزيرة إبستين الخاصة بالإعلام.. أي قناة الجزيرة*.
على كل حال، بما أنّ الكل يقول وهناك دائمًا متسّع لشيء يُقال في “عصر التداول السريع للمعلومات والتواصل ورأس المال” -بحسب وصف الفيلسوف الألماني من أصل كوري جنوبي بيونچ-شول هان-** سأقول أنا شيئًا وسأضيف إلى الرصيد العامر بالأحاديث والتحليلات والكلام حول “فضيحة/فضائح إبستين. سأقول: إنّها ليست فضيحة أبدًا! لكن هذا ليس كلامي ولم أقله اليوم أو في لحظة كتابة هذه الأسطر، بل قيل قبل 45 عامًا تقريبًا في كتابٍ يبدو من الأعمال الأكثر راهنية، كتاب “المصطنع والاصطناع”*** لعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي الراحل جان بودريار.
تعقيبًا على فضيحة شهيرة أخرى حدثت قبل 54 عامًا تقريبُا، يقول بودريار إنّ ووترغييت ليست فضيحة أبدًا!، وهي لم تَكُن غير فَخٍ نَصَبَهُ “النظام” لخُصومه، وهي في جوهرها “فضيحة مُصطَنَعَة لغايات تجديدية”. بإمكاننا وبعيدًا عن أيّ نظريّة مؤامرة أو أفكار خرافية سائدة اليوم، أخذ التحليل البودرياري وإسقاطه على فضيحة جزيرة إبستين والقول أنّها ليست فضيحة بكل ما فيها من رعبٍ حقيقي وفظائع وقعت فعلًا، بل مجرّد “فضيحة مُصطَنَعَة” لغايات تجديد هذا النظام الغاصّ رصيده بالفضائح الحقيقية.
لكن كيف يتم تجديد هذا النظام من خلال فضيحة مُصطَنَعَة؟ يُحاول صاحب كتب “روح الإرهاب” و”أميركا” الإجابة على هذا السؤال من خلال الإحالة إلى عالم اجتماع فرنسي آخر، هو بيير بورديو، الذي ينقل بودريار على لسانه: “إن جوهر كل ميزان قوى أن يَحجِب نفسه كميزان قوى، وهو لا يتّخذ كل قيمته إلّا إذا حجب حقيقته هذه. ويُعقّب بودريار على كلام بورديو: لا يستطيع رأس المال وهو عديم الأخلاق والذمّة أن يُمارِس دوره إلّا من خلال بنية تحتية أخلاقية، ومن يجدّد هذه الأخلاق العامة (بالسخط والتشهير… إلخ) يعمل عفويًا لصالح رأس المال!
يرى بودريار أنّ التشهير بالفضيحة هو على الدوام تمجيد للقانون، وهذا النظام العالمي الجديد -كما كان القديم على أيام صاحب هذا الكلام- ربما يقوم بنبش الفضائح من حاوية قمامته المُتخَمَة بها، ليقول: إنّه يحترم القانون ويُمجّده وأنّه لا سلطة تعلو فوق سلطته مخفيًا وحاجبًا أنّ سلطة كيانات مافياوية ورجال أعمال وسيكوباثيين بثياب رياديين ومُحسنين ورئيس مثل حزلقوم البيت الأبيض صاحب “فن الصفقة” (بالمناسبة ومعلومة غير مهمة: طلبت نسخة من كتابه وسأقرأه وأرى إن كان هناك أي فن!) تعلو فوق سلطة القانون والعقل و”الإنسانية” والديمقراطية وفوق أي سلطة غير سلطة السُلطوي “الفوضوي الحقيقي” بتعبير أحد الفاشيين في فيلم الإيطالي الراحل بيير باولو بازوليني (سالو)**** الذي تشبه أحداثه الوقائع التي وصلتنا من جزيرة إبستين ووقائع جزر أخرى لا نعلم عنها شيئًا ولن يتم إعلامنا بها.
إنّ فضيحة جزيرة إبستين لم تحدث.. كما لم تحدث حرب الخليج الثانية***** -بحسب التصوّر البودرياري- وتلك الأخيرة حدثت لكن أحداثها لم تقع كما تم تصويرها عبر أجهزة الميديا المتلاعب بها وكل ما نقل لنا صور أو محاكاة/اصطناع لحرب وبروباغندا لا تعكس الواقع.
نعم، إنّها حقًا فضيحة!
مع كل ما قيل، فإنّ ملفات إبستين فضيحة، أو بالأحرى نشرها وتفاعل الناس معها، فضيحة؛ إذْ تَفضَح -للمتأمّل والمتمعّن- أنّ أحدًا لن يُعاقَب من النخبة وأن نشرها كما يقول بودريار يستهدف حجب كونها ليست فضيحة. وهي فضيحة من ناحية تعامل الناس معها كمادة ترفيهية، كنوع جديد من تلفزيون الواقع، “ستار أكاديمي” للنخبة وبإدارة “سادة العالم الجدد” -بتعبير چوستاف لوبون في سياق حديثه عن التفوّق الأميركي في زمانه******- عن مجموعة من طلبة المال والسلطة، الذين يتمتّعون بباقةٍ من المواهب، منها: البيدوفيليا. وبصدد هذه الأخيرة: أليس هناك خطر بالتطبيع معها أو بالشعور بالبلادة تجاهها، من خلال استمرار النشر حولها دون أي عقاب لمرتكبيها؟ وتلك بحد ذاتها مزحة سمجة لا يقولها أرخص مهرّج: أنّ أحدًا سيُعاقِب هؤلاء، كما هي مزحة سخيفة ترقى للفضيحة أنّ مجرمًا مثل “أبو يائير” مطلوب “للعدالة” وصدرت بحقّه مذكّرة اعتقال!
الفضيحة.. فرصة
هذه “الفضيحة” أيضًا فرصة، أو للدقّة شجرة مثمرة بالفُرَص لمن يُحبّ قطفها، أو لديه معجزة في زمن انعدام المعجزات الماورائية، تتمثّل في تحويل أي شيء/حدث/قصة/فضيحة/مأساة… إلخ، إلى سلاح ضد الخصوم، كما كان يسوع يحوّل الماء إلى نبيذ. فرصة للجميع ولكل أحد: فرصة للترفيه والتسلية كما ذُكِر أعلاه، للمزاودة الأخلاقية ولإصدار عفوٍ عام وإعفاء من الخطأ لأنصار زواج القاصرات مثلًا، عبر القول: انظروا لسنا نحن وحدنا من يفعل ذلك! على الأقل نحن نفعله حسب الأصول و”على المكشوف” دون أي شعور بالفضيحة.
إنّها فرصة كذلك للشعور بتفوّق حضاري وهمي، بادّعاء أنّ الشرق أفضل من الغرب و”الأمة” خيرٌ من “الأعداء الكفّار”. وعن أي شرق وأي غرب يتحدّثون؟ وهل كل الغرب واحد؟ هل أيرلندا التي تقف مع فلسطين مثلًا، تُوضَع في نفس السلّة مع أميركا أو بريطانيا؟ ولو كان العكس، لو حصلت في بلدٍ شرقي الجغرافيا والحضارة ومُسلم الديانة، هل كانوا سيصرّون على صدام الحضارات/الأديان المزعوم هذا؟ لكن التفاصيل غير مهمّة، المهم قذف العموميات والإنشائيات دون تقديم أي إثباتات.
وفرصة بالطبع للتسويق لـ”أستاذية العالم” بعد إثبات التفوّق الحضري والشعور بالاستعلاء الأخلاقي. وفرصة سانحة لإثبات أنّ أصحاب ديانة/ديانات ما أفضل من أصحاب أخرى مطابقة لها بنسبة كبيرة مع اختلاف اللغة وبعض المواصفات والمقاييس. وهي فرصة ذهبية لإنعاش نظريات المؤامرة الماورائية والقصص الخرافية التي وفي كل مناسبة تصل إلى نتيجة واحدة: أصحاب دين معيّن -الذين قتلهم النمساوي شبيه تشابلن- هم وحدهم المسؤولون عن كل شيء سيء حدث ويحدث في هذا الكوكب، أمّا بقية سكّانه فبريئون وطاهرون؛ لأنّه كما نعلم لا أحد شرير وسيء إلّا هؤلاء! وجميع المذكورين عليهم أن يكونوا ممتنّين لجيفري إبستين؛ فهو مخلّصهم الذي قام بفدائهم على صليب “الفضيحة”.
هوامش:
*بهذا الصدد، يمكن مراجعة مقال كتبناه هُنا، عنوانه: الإعلام إذْ يُبَالِغ ولا يُبلِّغ.
**مجتمع الشفافية – بيونچ-شول هان، ترجمة بدر الدين مصطفى، مؤسّسة مؤمنون بلا حدود.
***المصطنع والاصطناع – جان بودريار، ترجمة جوزيف عبد الله، المنظّمة العربية للترجمة.
****للمزيد يمكن مراجعة مقال: بين بازوليني وبيسوا: في السلطة فقط تَتَجلّى الفوضويّة الحقيقيّة. الرابط في التعليق الثاني.
*****The Gulf War Did Not Take Place, Jean Baudrillard, 1995
******فلسفة التاريخ، چوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، مؤسّسة هنداوي.