
«إذا عضّ كلب رجلًا فهذا ليس خبرًا، لكن إذا عضّ رجلٌ كلبًا فهذا هو الخبر!»
العبارة السابقة ربما أصبحت كليشيه اليوم، والغالبية غالبًا تعرفها، وفيما مضى كان دارس “الإعلام” بتخصُّصاته الفرعية المختلفة: تحرير/إذاعة وتلفزيون/علاقات عامة/إعلان وغيرها، يعرفها منذ أوّل محاضرة له في الكلية. وبعد قرابة 18 عامًا من دراسة التحرير الصحفي، ما زلت أذكر أوّل شرحٍ لهذه المقولة في سياق مساق “مدخل إلى الاتصال”.
المهم وبعد هذا المدخل، أستَحضِر هذه العبارة وأنا أتساءل: هل الإعلام* يُبلِّغ الناس بما حَدَث ويَحدُث؟ هل يُخبِرُهُم بالخبر كما هو، كما خَبِرَهُ الشهود وناقلوه من المراسلين؟ هل يكتفي بوظيفة التبليغ؟ أم أنّه يُضيف عليها ويتجاوزها ويجعلها ثانويةً لتصبح الوظيفة الرئيسية هي المبالغة لا التبليغ؟ المبالغة بما حدث والوصول للتنبّؤ بما سيحدث أو تهميش الواقعة التي وقعت فعلًا وقتلها دون إخبار الناس بـ”عملية القتل” هذه، وزرع مُصْطَنَع مكان جثّة الواقعة، ليُصبح بدوره هو الواقعة؛ فطالما نراه على الشاشات -على اختلاف أحجامها- فقد وَقَع! وطالما تُغرينا قراءته ومعرفة تفاصيله والضغط على الرابط ورؤية الصورة ومتابعة القناة للمزيد من التفاصيل فهو الواقع الآن، هو أمرٌ واقع، حتى إن كان خاليًا من أي وقائع.
هذه المبالغة تتمّ ببلاغة، لا بلاغة اللغة فحسب من خلال المُحلّلين والمفكّرين والشُعراء والمُستَشعرين وحتى المذيعين والمُقدّمين الذين يتحدّثون بخلاف ما تقتضي وظيفتهم -أي الإعلام- بلغة الأحلام والأوهام لا الواقع، بل أيضًا بلاغة الصورة/المشهد على نحوٍ سينمائي وترفيهي.
وتتواصل هذه المبالغة عبر المزج بين البلاغتين، خاصةً حين لا تكون قناتك مجرّد قناة حكومية رسمية، بل شبكة ضخمة تمويلها غير محدود وتُرضي جميع الأذواق: قناة للأجانب تتحدّث إلى دُوَلِهِم بلغةٍ مُعتَدِلَة وعقلانية، وواحدة أخرى للتقدميين والناشطين ولتقليعات هذا الزمان التي يتم الإقلاع عنها وتبديلها بحسب أهواء المُموّلين والمانحين والمُخطّطين.
وبالطبع والأهم هُناك القناة الموجّهة للعامة/العوام، والتي تُقدّم لهم ما يحبّون مشاهدته حتى وإن كان متطرّفًا ولا معقولًا ومجنونًا ومحشوًا بأكاذيب وأوهام أكثر من حشو مكدوس الباذنجان بالجوز! وقد قُمتَ أنت شخصيًا بصياغة رؤيتهم لما يُحبّون أن يروا وصَنعتَ ثقافة وتوجّهات هذه الطبقة المُهيمَن عليها -بالاستئذان من غرامشي– التي تَعرِف -هي- أنّه مُهيمَنٌ عليها، لكنها تَجهَل بفعل الثقافة التي تَصنَعُها/تَصطَنِعُها شكبتك والوعي الذي تُشكّله قنواتك، أنّك أنتَ المُسَيطِر والمُهَيمِن عليها قبل أنظمتها وحكوماتها؛ فأنتَ تُسَيطِر على الوعي والأدمغة، القلوب والعقول.. وهذه الأنظمة والحكومات بالكاد تُسيطِر على الأجساد.
في الأمس كانت الصحف الفاضحة التي تَقتاتُ على الأكاذيب والمبالغات الواضحة، تُسمّى “الصحف الصفراء”. اليوم أغلب الصحف تحوّلت إلى شيء من الماضي، إلى ما يُشبه التُحَف أو النُصُب التذكارية التي تقول لنا: كان هنُاك يومًا ما أخبار ومقالات وتقارير وتحقيقات تُكتَب وتُنشَر على ورق، والحق يُقال: كان فيها جماليات لم تَعُد موجودة اليوم؛ مثل البُطء الذي كان شرطًا للاستمتاع بتجربة قراءة هذه الصحف. ومع ذلك هناك ورثة طبيعيون لهذه الصحف اليوم، يُقال لهم: “المواقع الإلكترونية” لكن لونها ليس مُوحّد؛ فمنها من يأتي باللون البرتقالي أو الأزرق أو الأخضر وغيرها.. وأتحدّث هُنا عن مواقع محلّية أتمنّى أنْ تحل عنا.
لكن الوريث الأكثر شرعية والتطوّر الطبيعي لهذه الصحف هي القنوات والفضائيات -هل ما زال أحد يستخدم هذه التسمية “فضائيات” مع تراجعها لصالح الإنترنت والمنصّات؟- وهذه القنوات لها لون مميّز، لون كان فيما مضى مرتبطًا بالثورة والحرية والتمرّد، و”الخطر الأحمر”؛ أي اليسار أو الشيوعية الذي كان يخشاه بالأمس من يتم التهليل والتطبيل لَهُم اليوم بوصفهم رأس حربة في مقارعة استكبار/طغيان “الشيطان الأكبر” أو “الغرب الكافر”! هذا اللون الأحمر نَجِدُه في شريط الأخبار العاجلة، وفي رموزٍ أخرى تَستَخدِمُها هذه القنوات في سياق هندسة هذا الوعي الجَمْعِي الناطق والمُفكِّر باللغة العربية.
هذا “اللون الثوري”، باتَ اليوم مرتَبِطًا بالإذعان والخضوع لثقافة طبقة مُهَيمِنَة تَحرِص أنْ لا تُشعِرَك أبدًا بأنّها تُهَيمِن على وعيك الذي تُشكّله وثقافتك التي تَصنعُها ورؤيتك للعالم الذي تَخلِقُه.. لكنّها ليست رؤيتك، فهي لا تُريك إلّا ما تَرَى! وهل يا تُرى أنتَ حقًا تَرَى؟!
ربما اللون الأحمر يرمز لبعدٍ آخر مُفتَرَض لكّنه خطير، وهو تحويل المُتلقّي لهذه القنوات إلى “هندي أحمر” آخر، إلى إنسان سيُصبِحُ هو وشعبه مع سيرورة الإبادة والتهجير، مجرّد ذكرى إنسان، أو “فلكلور”، إن بقي الناس يُصدّقون أوهام هذه القنوات الحمراء ويقعون كل مرة فريسةً وصيدًا سهلًا في شباك شبكتها.
في ترجمته لكتاب جان بودريار الصادر بنسخته الأصلية “الفرنسية” قبل 44 عامًا -والذي أُعيد الاقتباس منه مجدّدًا وسأعيد ذلك مرةً بعد مرّة- “المصطنع والاصطناع”، يُورِد الدكتور جوزيف عبدالله اقتباسًا للكاتب الفرنسي فرانسوا-رينيه دو شاتوبريان، معبّرًا عن جوهر الكتاب وأَجِدُ فيه أصدق تعبير عن فحوى هذه السطور وخاصةً الأخيرة منها:
«القطيعة مع ما هو واقعي أمرٌ سهل. لكن الأمر ليس كذلك مع الذكريات؛ فالقلب يتقطّع لهجرة الأوهام، لقلّة ما في الإنسان من حقيقة!».

___________________________________________________________________
*هامش:
ربما من المنطقي استبدال حرف العين بالظاء، ليصبح الإظلام بدلًا من الإعلام؛ الإظلام على الحقائق والوقائع لا الإعلام بها. أو استبدال حرف اللام بالدال، ليكون إعدام بدلًا من إعلام؛ إعدام الحقيقة، تعليقها على مشنقة الاصطناع والمحاكاة وصعقها بكهرباء التزييف والتهويل حتى الموت.
الصورة أعلاه من فيلم “قتلة بالفطرة” (1994) من إخراج أوليفر ستون وكتابة كوينتن تارانتينو.