
يبدو أنّ المهّمة المستحيلة وبعد 22 عامًا وحصيلة غير نهائية بلغت ستّ أجزاء، هي نفس عنوان هذا الجزء: “السقوط”؛ فمن المستحيل أن يَسقط إيثان هانت (توم كروز)، ذلك البطل الخارق الذي لا يملك قوى خارقة، حتى أمام تهديدٍ قديمٍ يأخذ شكلًا جديدًا أشدّ إرهابًا وشراسة وأكثر تطرّفًا وإباديةً من كل التهديدات السابقة، ممثّلًا بمنظّمة النقابة -في الجزء الخامس- التي لم تسقط بعد، بل تم إعادة تشكيلها تحت لواء جماعة جديدة تُسمّى “الرُسُل”، وهي جماعة فوضويّة “إرهابية” وجذريّة لأقصى مدى، لا تُهادن ولا تتنازل، “إنها تريد نهاية العالم لبناء واحد جديد وإلغاء الدين والقانون والسلطة وتسعى إلى إبادة كل شيء نخره سوس النظام العالمي الفاسد، وأن تبلغ المعاناة أوجها، ليعمّ السلام بعد ذلك، ليولد بشر جُدُد من رحم النظام العالمي الجديد” فعلًا لا اِسمًا كنظام جورج بوش الأب.
لا يُقدّم الجزء السادس من السلسلة والذي أخرجه وكتبه كريستوفر ماك كويري، أي هويةٍ واضحة دينية/عرقية/قومية لهذه الجماعة، وهذا شيء إيجابي من ناحية اِبتعاد السينما الأميركية عن الأعداء التقليديين (الروس، الكوريين، الصينيين، الجهاديين الإسلاميين…) هذه المرة العدو أُمَميّ، أو كَونيّ، إِبادي أُممي/كوني للدقّة! ومع ذلك تبدو جماعة الرسل، أقرب للجماعات المسلّحة ذات الطابع الديني، مثل تنظيم القاعدة، حيث هناك تشابهٌ كبير في الخطاب المتطرّف والإبادي، وفي طرق ووسائل تحقيق أهدافها. إنها جماعة تحافظ على بقائها وتتكاثر وتغزو في مناخ الفوضى، هدفُها يبدو مغرٍ، الإبادة، لكن بحسابات الواقع، يبدو صعب التحقيق أو “مهمّة مستحيلة”!
تتشابه “الرُسُل” أكثر مع الجماعات الجهادية، من ناحية وجود مانفيستو لها، بيان فيه معالم الطريق، طريق الإبادة، بيان وكأنّه إحالة إلى بيان النرويجي المتطرّف أندريس بيرينغ بريفيك المعروف بـ”سفّاح أوسلو”. أو حتى إلى “معالم في الطريق” كتاب الكاتب والمنظّر الإسلامي سيّد قطب، الذي يمكن اعتباره مانفيستو الجماعات الجهادية. وكما لا يمكن للمرء إنكار جاذبية “الخطاب الأيديولوجي المشبّع بقدر كبير من الشاعرية” في كتاب المعالم وفي كتب سيّد قطب عامةً، ليس بمقدوره إنكار جاذبية مانفيستو جان لارك؛ فالعالم فيه أخطاء كثيرة، وجوده على هذا الشكل بذاته خطأ كبير لا يمكن التسامح معه وغفرانه، العالم في اعوجاج كبير، لا بد من تقويمه بحدّ السيف أو القنابل النووية! والسلام لم يكن يومًا خيارًا بل سيصبح كذلك، سيفرض نفسه بعد إبادة العالم وتطهيره من رجس نظامه.
لكن بالرغم من كل هذه الجاذبية والإسقاطات الموفّقة على جماعات “الإرهاب المُعاصِر”، إلا أن العدوّ لم يكن “مطبوخًا بشكلٍ تام”، الأمر الذي يُحيلنا إلى “مشكلة الشرّ” في عالم المهمّة المستحيلة. العدو/التهديد/ يبدو ظاهريًا جذّابًا بخطابه الإبادي الجذري، لكنّه مفتقرٌ للعمق؛ إذ بعد تجاوز هذا الخطاب لا نعثر على شيء، فجماعة الرسل أشبه بالأشباح! لا يقتنع المشاهد أن ثمّة جماعة أخذت على عاتقها مهمة تدمير العالم، ولا يأخذ التهديد بجديّة. كل ما نسمعه ونراه بحّة صوت سولومون لاين (شون هاريس) وشارب جان لارك/أوغست ووكر (هنري كافيل) وعضلاته، دون العثور على شيءٍ من الكاريزما القيادية التي كوّنها المشاهد عن لارك قبل أن يَراه، ويبدو أن لارك تنطبق عليه مقولة “أن تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه”! هذه نقطة ضِدّ العمل، أن يفتقر من يُمثّل العدوّ/الخصم إلى العُمق والتركيب والتعقيد، أنْ يُقدّم تحت عنوانين جميلة لكن مُضلِّلَة، أن تنتظر المزيد وتنتظر، ولا تجد شيئًا جديًا بالنهاية.
مع نهاية الفيلم، وبالتزامن مع الدفق الهائل من العواطف والمشاعر التي تغمر المرء وهو يشاهد إيثان وأصحابه وقد أنقذوا العالم -ولا مفاجئة في ذلك- تسأل نفسك: هل أٌنقِذَ العالم فعلًا؟ وممّن؟! هل انتصر الصالحون ودُحرَ الأشرار وباءت مخططاتهم بالفشل؟ هل ثمّة صالحون وأشرار في عالمنا؟ هل من يعمل مع وكالة المخابرات المركزية وجهاز الاستخبارات البريطاني و”قوة المهام المستحيلة” يمكن أن يُصنّف صالحًا، على أي أساس (ألا يبدو العميل وُوكر هنا، النسخة الواقعية لعميل الاستخبارات لا إيثان)؟!
السلسلة تعتمد على تقديم شخصية مركّبة ومعقّدة لإيثان تتشابك فيها تعقيدات مهنته ومعضلاتها وأحكامها وطبيعتها الباردة القاسية مع منظومة أخلاقه وقيمه “السوبر هيروية”، لذلك حينَ نرى إيثان أقرب لبطلٍ خارق لا يَرضى المفاضلة بين حياة واحد وحياة الملايين، سنراه صالحًا، سنراه ممثلًا للخير على نحوٍ خيالي. لكن الواقع ليس كذلك، والمهمة المستحيلة تقدّم لنا صورة لمن يعملون بالاستخبارات بعيدة تمامًا عن الواقع، صورة “ميتافيزيقية”.
السؤال الأهم بعد نهاية الفيلم: هل هُزِم الأشرار؟ والجواب عليه: لا، قطعًا. إذا اعتبرنا هزيمة سولومون لاين وإحباط مساعي جان لارك وحوارييه لتدمير العالم وتنقيّته من خطيئة نظامه بمزيد من المعاناة، هزيمةً للشر، للتهديد العظيم لبني البشر وحضارتهم، فهذا يعني أننا لم نرى الصورة الكبرى ويبدو أن عرضها هو المهمة المستحيلة الحقيقية!
في إحدى مشاهد مطاردة إيثان داخل كنيسة، يُسأل: من يُطارِدُك؟ يجيب:” عملاء السي آي إيه أو الحواريون.. لا فرق! بصرف النظر أن إيثان يتحدّث عن اختراق “جماعة الرُسُل” للسي آي إيه، لكن الفرق فعلًا مُنعَدِم! فهل ثمّة فرق حقًا بين الإرهابيين وبين من يدّعون أنهم يحاربونهم؟ ليس فرقًا كبيرًا؛ فعند الإرهابيين ممارسات العنف والبطش وسفك الدم والتفجير غير منظّمة، وعند من يحاربونهم “أنصار السلام العالمي وحماة الحضارة” -حماة الأمر الواقع بالحقيقة- هذه الممارسات منظّمة ووفقًا للقانون الدولي! الإرهابيون يهدّدون باستخدام سلاح نووي، يحصلون عليه، لكنّهم لا يفعلون شيئًا؛ مخططاتهم يُحبِطُها حُرّاس الحضارة الذين يتعاونون مع إرهابيين آخرين في سبيل القضاء عليهم، لأنّ الغاية تبرّر الوسيلة طبعًا!
ليسَ الأمر حكرًا على هذا العمل؛ فغالبية الأعمال السينمائية تحتفي بدحر وهزم الإرهابيين، والمشاهدون يُصفّقون وتغيب عن أذهانهم حقيقة أن من هزمهم يتعاون مع إرهابيين ويُمارِس إرهابًا أكثر تطورًا بطائراتٍ من دون طيّار، بأسلحة عنقودية وقنابل نوويّة دمّرت بلداناً فعلًا على أرض العالم الحقيقي لا عالم الأساطير المُعاصِرَة “السينما”. الأمر يُذكّر بالاحتفاء بسقوط النازية عقب الحرب العالمية الثانية، وكأن الشرّ انتهى للأبد، مع أن العالم بعدها لم يغدو أقلّ شرًا أبدًا! ألم يُعاد إنتاج النازية لكن باشكالٍ ناعمة وبألوانٍ جميلة وقوالب جذّابة؟ الأشرار الحقيقيون لم يسقطوا والعالم لم يتمّ إنقاذه، وربّما لن يتم، طالما أن أمثال إيريكا سلون مديرة السي آي إيه في هذا الفيلم هم المُشرِفون على إنقاذه.